ايقونة الصمود .... بقلم : نادرة عساف

​أيقونة الصمود: عندما تكون المرأة هي السند والوطن

​ وجه القوة الذي لا يراه أحد

​خلف كل امرأة "مستقلة وقوية" تقوم بأدوار (الأب، الأم، الأخ، والأخت)، قصة صمود لم تكن خياراً في البداية، بل كانت معركة فُرضت عليها. هي المرأة التي قررت ألا تسقط حين انسحب الآخرون، فصارت هي العمود الذي يرفع سقف البيت، والقلب الذي يضخ الأمان للجميع.

​أولاً: جذور المشكلة (لماذا تصل المرأة لهذه المرحلة؟)

​لم تُخلق هذه المرأة "خارقة"، لكن الظروف صهرتها لتكون كذلك. وتعود الأسباب غالباً إلى:

​غياب الدور الحقيقي للرجل (أباً كان أو زوجاً) في تحمل المسؤولية المادية أو المعنوية، مما يترك فجوة لا يملؤها غيرها.

​ثقافة التربية الاتكالية: نشأة بعض الرجال في بيوت تعفيهم من المسؤولية وتضعها على عاتق النساء، مما ينتج رجلاً "متواكلاً" يرى في قوة زوجته مبرراً لكسله.

​الهروب من المواجهة: اختيار الرجل للغياب المعنوي رغم وجوده الجسدي، مما يضطر المرأة لتولي زمام القيادة حمايةً للأبناء والكيان الأسري.

​ثانياً: الصراع مع المجتمع (فخ "أنتِ عودتيه")

​بدلاً من أن يدعم المجتمع هذه "الأيقونة"، يضع أمامها عوائق نفسية واجتماعية قاسية:

​لوم الضحية: يواجهها المجتمع بعبارات محبطة مثل "أنتِ من جعلتيه هكذا بكثرة تحملك"، متجاهلين أنها كانت تنقذ ما يمكن إنقاذه.

​إعفاء الرجل: يُنظر لتقصير الرجل كأمر واقع، بينما تُحاسب المرأة على أي تعثر، وكأن القوة أصبحت "فرضاً" عليها وليست تضحية منها.

​غياب الدعم الأسري: في كثير من الأحيان، يتخلى أهل المرأة عن مساندتها في قرار الاستقلال، خوفاً من النظرة الاجتماعية أو هرباً من تحمل أعباء إضافية، مما يجعلها تواجه العاصفة وحيدة.

​ثالثاً: العواقب والضريبة الباهظة

​القيام بكل الأدوار ليس مجانياً، بل تدفع المرأة ثمنه من روحها وجسدها:

​الاستنزاف النفسي: العيش في حالة تأهب دائم لحل المشكلات يؤدي إلى "الاحتراق الداخلي" وفقدان الشعور بالأنوثة أو الرقة الفطرية.

​العزلة الاختيارية: تلجأ للعزلة ليس كرهًا في الناس، بل لحماية طاقتها المتبقية من الاستنزاف، ولأنها لم تعد تجد من يفهم حجم ثقل أحمالها.

​تحدي الاستقلال المادي: عندما تقرر الاستغناء عمن لا ينفع وجوده، تواجه "حرب البقاء"؛ فتبدأ بالبحث عن مصدر دخل  لتثبت أن الكرامة لا تُشترى بالمال.

​رابعاً: لحظة "الولادة الجديدة" والاستحقاق

​القرار الصائب الذي تتخذه هذه المرأة بالاستغناء عن "الرقم الزائد" في حياتها هو البداية الحقيقية لاستعادة الذات.

​هي لم تعد "تضحي" لتُرضي أحداً، بل "تبني" لتُرضي ربها ونفسها.

​تتحول القوة من "حمل ثقيل" إلى "حرية"، حيث يصبح نجاحها ملكاً لها وحدها، ويصبح أمان أبنائها نابعاً من قوتها الحقيقية لا من استجداء دور غائب.

​ستظل هذه المرأة هي المدرسة التي تُخرج أجيالاً تعرف معنى المسؤولية، لأنها رأت بطلة حقيقية في منزلها.. بكل استحقاق.

​إليكِ هذه النصيحة النابعة من عمق التجربة، والموجهة لكل امرأة اختارت -أو اضطرت- أن تكون هي الجدار الذي يستند إليه الجميع:

​نصيحة إلى "أيقونة الصمود"

​١. تذكري أنكِ "إنسانة" ولستِ "آلة":

أكبر فخ تقع فيه المرأة القوية هو تصديقها لأسطورة أنها "لا تُقهر". اعترافي بتعبكِ، وبحاجتكِ للراحة، وبأنكِ لستِ مضطرة لحمل الكرة الأرضية على كتفيكِ طوال الوقت. الضعف الإنساني أحياناً هو قمة القوة لأنه يحميكِ من الانكسار المفاجئ.

٢.قدّسي "مساحتكِ الخاصة":

وسط انشغالكِ بدور الأب الذي يؤمن، والأم التي تحتضن، والأخ الذي يسند.. لا تنسي "المرأة" التي بداخلكِ. خصصي وقتاً لنفسكِ، لهواياتكِ، لتطوير علمكِ (سواء في تعليم اللغات أو الرياضيات أو غيرها). هذه المساحة ليست أنانية، بل هي "محطة وقود" لروحكِ لكي تستمري.

​٣. لا تسمحي لـ "الاعتياد" أن يقتل "التقدير":

عندما تقومين بكل شيء، يعتاد من حولكِ على ذلك حتى يظنوه حقاً مكتسباً. علّمي من حولكِ (خاصة الأبناء) أن ما تفعلينه هو حب وتضحية وليس "وظيفة إجبارية". أشركيهم في المسؤولية ليقدروا قيمة ما تقدمين، ولتحمي نفسكِ من صناعة "اتكاليين" جدد.

​٤. آمني بـ "الاستحقاق" قبل أي شيء:

لا تنتظري من المجتمع أو الأهل أو الزوج المقصر أن يمنحوكِ صك الغفران أو وسام الشجاعة. امنحي نفسكِ أنتِ هذا الوسام. رددّي دائماً أنكِ تستحقين حياة هادئة، وتستحقين أن تكوني مع من يقدر قيمتكِ، وإن لم يوجد، فاستقلاليتكِ بذاتكِ هي أسمى أنواع التقدير.

​٥. الاستغناء هو "قوة" وليس "خسارة":

إذا وصلتي لمرحلة أصبح فيها الطرف الآخر "ثقباً" يمتص طاقتكِ دون مقابل، فاعلمي أن قرار الاستغناء هو قمة الذكاء العاطفي. خسارة شخص متواكل هي في الحقيقة "مكسب لنفسكِ وصحتكِ".

​خلاصة النصيحة:

كوني كـ "النخلة"؛ شامخة، مثمرة، وجذورها ضاربة في الأرض.. لكن لا تنسي أن هذه النخلة تحتاج للسقيا لتظل خضراء. اسقي نفسكِ بالحب والتقدير أولاً، لتستطيعي إعطاء الثمار لمن يستحق.. بكل استحقاق.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الاشياء التي لم تتركها ..... بقلم نادرة عساف

"لم اتأخر ....أنا فقط وصلت الى نفسي " بقلم : نادرة عساف

هل فعلا أقدار البنات بتشبه امهاتها. بقلم : نادرة عساف ؟