الأبناء ليسوا ساحة حرب ....بقلم نادرة عساف

 الأبناء ليسوا ساحة حرب…

تعد قضية الخلافات الزوجية التي تصل إلى أروقة المحاكم مرحلة شديدة الحساسية، لكنها تتحول إلى مأساة وطنية حين تخرج عن سياق الانفصال القانوني لتصبح "حرب تصفية حسابات" يكون الأطفال فيها الوقود والضحية الأولى.

​في الآونة الأخيرة، صُدم الشارع الأردني بوقائع يندى لها الجبين، حيث أقدم آباء على إنهاء حياة أطفالهم نتيجة خلافات مع الزوجة، وهي ظاهرة غريبة عن قيم المجتمع الأردني وتتطلب وقفة حازمة لتحليل أسبابها وآثارها.

​الخلافات الزوجية: من الانفصال إلى الانتقام

​عندما يغيب الوعي الأخلاقي والديني، يتحول الطلاق من "تسريح بإحسان" إلى معركة كسر إرادة. يرى بعض الأزواج في الأطفال "أداة ضغط" أو "وسيلة انتقام" لإيذاء الطرف الآخر في أضعف نقاطه. هذا التحول من الخلاف الشخصي إلى استهداف الأبناء يعكس خللاً نفسياً واجتماعياً عميقاً.

​ظاهرة قتل الأبناء في الأردن: الأسباب والدوافع

​رغم أن هذه الحوادث لا تمثل ظاهرة عامة بمعنى التكرار اليومي، إلا أن بشاعتها جعلتها تتصدر الرأي العام. وتعود جذور هذه الجرائم إلى عدة عوامل:

​الانتقام النرجسي: رغبة الأب في حرق قلب الأم بشكل أبدي، معتبراً أن قتل الأبناء هو الضربة القاضية التي لا يمكن التعافي منها.

​الضغوط الاقتصادية والنفسية: تراكم الديون والشعور بالفشل الاجتماعي مع غياب الدعم النفسي، مما يولد حالة من "الانسداد القيمي" يرى فيها الجاني أن الموت هو الحل الوحيد.

​ثقافة الاستقواء: المفاهيم المغلوطة حول "الولاية" التي تجعل البعض يعتقد أن الأبناء ملكية خاصة يحق له التصرف في مصيرهم.

​الضرر الواقع على الأسرة والأطفال

​تتجاوز الآثار حدود الجريمة اللحظية لتترك ندوباً لا تندمل في نسيج المجتمع:

​تدمير السكينة النفسية: الأطفال الذين يعيشون في بيئة صراع يشعرون بعدم الأمان الدائم، مما يؤدي إلى اضطرابات سلوكية ونفسية حادة.

​تفكك الروابط الممتدة: تنهار علاقة الأبناء بعائلاتهم الكبيرة (الأجداد والأعمام والخواطر) نتيجة انقسام الولاءات في معركة الطلاق.

​فقدان الثقة بالمنظومة الأسرية: ينشأ جيل يخشى فكرة الزواج والارتباط، ويرى في الأسرة مصدراً للخطر لا مكاناً للأمان.

​كيف نحمي المجتمع من هذه المآسي؟

​لمواجهة هذه الظاهرة وحماية أطفالنا، لا بد من تكاتف الجهود على عدة أصعدة:

​الإرشاد الأسري الإلزامي: تفعيل دور مكاتب الإصلاح والتوفيق الأسري بشكل أعمق، بحيث تشمل تقييماً نفسياً للأطراف المتنازعة قبل وقوع الكارثة.

​تغليظ العقوبات: أن تكون القوانين رادعة بما يكفي ليعلم كل من تسول له نفسه المساس بحياة طفل أن القصاص سيكون عادلاً وحازماً.

​التوعية الدينية والمجتمعية: إعادة التأكيد على أن الأبناء "أمانة" وليسوا "ممتلكات"، ونشر ثقافة الانفصال الحضاري التي تحفظ كرامة الأطفال.

​الخلاصة: إن حماية الأطفال من تداعيات الطلاق ليست مجرد مسؤولية قانونية، بل هي واجب أخلاقي وديني. فالأبناء ليسوا طرفاً في الخلاف، ولا يجوز تحت أي ظرف أن يكونوا ثمناً لتصفية الحسابات بين الكبار.

لم نكن طرفًا في الخلاف… لكننا كنا الضحية.

ما نشهده مؤخرًا من جرائم قتل الأبناء في الأردن ليس مجرد حوادث فردية، بل مؤشر خطير على تحوّل الانفصال من حلٍ أخير إلى صراع مدمر. حين يعجز الكبار عن إدارة خلافاتهم، يدفع الأطفال الثمن—خوفًا، ألمًا… وأحيانًا حياتهم.

الطفل لا ينتمي لمعركة، ولا يجب أن يكون وسيلة انتقام.

هو أمانة… ومسؤولية… وقلب لا يحتمل الكسر.

بين أمٍ مجروحة وأبٍ غاضب…

يضيع طفل لا ذنب له.

الأبناء ليسوا وسيلة… ولا ضحية.

احموهم من صراعاتكم… قبل فوات الأوان.

🖤


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الاشياء التي لم تتركها ..... بقلم نادرة عساف

"لم اتأخر ....أنا فقط وصلت الى نفسي " بقلم : نادرة عساف

هل فعلا أقدار البنات بتشبه امهاتها. بقلم : نادرة عساف ؟